محمد حسين الذهبي

119

التفسير والمفسرون

وأما من قال : إنه عطف على الجوار ، فقد ذكرنا عن الزجاج أنه لم يجوز ذلك في القرآن ، ومن أجاز ذلك في الكلام فإنما يجوز مع فقد حرف العطف ، وكل ما استشهد به على الإعراب بالمجاورة فلا حرف فيه حائل بين هذا وذاك . وأيضا فإن المجاورة إنما وردت في كلامهم عند ارتفاع اللبس والأمن من الاشتباه ، فإن أحدا لا يشتبه عليه أن خربا لا يكون من صفة الضب ، ولفظة مزمل لا يكون من صفة البجاد ، وليس كذلك الأرجل فإنها يجوز أن تكون ممسوحة كالرءوس . وأيضا فإن المحققين من النحويين نفوا أن يكون الإعراب بالمجاورة جائزا في كلام العرب ، وقالوا في جحر ضب خرب : إنهم أرادوا خرب جحره ، فحذفوا المضاف الذي هو جحر وأقيم المضاف إليه وهو الضمير المجرور مقامه وإذا ارتفع الضمير استكن في خرب . وكذلك القول في كبير أناس في بجاد مزمل ، فتقديره مزمل كبيره ، فبطل الإعراب بالمجاورة جملة ، وهذا واضح لمن تدبره . وأما من جعله مثل قول الشاعر : علفتها تبنا وماء باردا ، كأنه قدر في الآية واغسلوا أرجلكم ، فقوله أبعد من الجميع ؛ لأن مثل ذلك لو جاز في كتاب اللّه تعالى على ضعفه وبعده في سائر الكلام ، فإنما يجوز إذا استحال حمله على ظاهر ، فأما إذا كان الكلام مستقيما ومعناه ظاهرا فكيف يجوز مثل هذا التقدير الشاذ البعيد ؟ . وأما ما قاله أبو علي في القراءة بالنصب على أنه معطوف على الأيدي ، فقد أجاب عنه المرتضى بأن قال : جعل التأثير في الكلام للقريب أولى من جعله للبعيد ، فنصب الأرجل عطفا على الموضع أولى من عطفها على الأيدي والوجوه ، على أن الجملة الأولى المأمور فيها بالغسل قد انقضت وبطل حكمها باستئناف الجملة الثانية ، ولا يجوز بعد انقطاع حكم الجملة الأولى أن تعطف على ما فيها ، فإن ذلك يجرى مجرى قولهم ضربت زيدا وعمرا وأكرمت خالدا وبكرا ، فإن رد بكر إلى خالد في الإكرام هو الوجه في الكلام لا يسوغ الذي سواه ، ولا يجوز رده إلى الضرب الذي قد انقطع حكمه ، ولو جاز ذلك